أخبار عاجلة

ديسمبر بين مأرب والمخا… كيف تعيد الجغرافيا تشكيل الوعي الجمهوري؟

مأرب اليوم – أبوعفاش الحويسك

ديسمبر بين مأرب والمخا… كيف تعيد الجغرافيا تشكيل الوعي الجمهوري؟

لم تعد المدن اليمنية مجرد نقاط جامدة على الخريطة، بل بات من الواضح أن التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية أثبتت، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن الجغرافيا قادرة، في لحظات التحول الكبرى، على إعادة تشكيل الوعي السياسي. وهذا يسهم في صناعة المواقف الوطنية.

ومن هذا المنطلق، يبرز هذا التحول بوضوح من خلال الزيارة التي قام بها الشيخ ذياب محسن بن معيلي إلى مدينة المخا؛ إذ إن هذه الزيارة لا يمكن اختزالها في بعدها الاجتماعي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتتحول إلى مؤشر سياسي لافت على اتجاه جديد آخذ في التبلور داخل البيت الجمهوري.

مأرب… مركز صمود يرفض الانكسار

وفي هذا الإطار، ظلت مأرب، وعلى امتداد سنوات الحرب، عنوانًا ثابتًا للصمود. فمن جهة، حافظت على جوهر المشروع الجمهوري. ومن جهة أخرى، واجهت الضغوط العسكرية والسياسية دون أن تنكسر. وعلى إثر ذلك، تشكّل من داخلها وعي وطني راسخ رافض لمشروع الحوثي. كذلك، ظلت مأرب متمسكة براية الدولة، في مرحلة كانت الجمهورية فيها مهدَّدة بأقسى صورها.

المخا… منصة مقاومة تتوسع في تأثيرها

وعلى الضفة المقابلة، برزت المخا كأحد أهم معاقل المقاومة الوطنية. ليس فقط بوصفها موقعًا جغرافيًا مهمًا، وإنما أيضًا كمركز فاعل لإدارة معركة استعادة الدولة. وبالتالي، تحولت المدينة تدريجيًا من نقطة ساحلية إلى منصة سياسية وعسكرية. وهي تحمل مشروعًا وطنيًا واضح المعالم في مواجهة النزعة السلالية المسلحة.

التقاء الرمزين… شرق يدافع وغرب يقاوم

وانطلاقًا مما سبق، فإن التقارب بين مأرب والمخا لم يعد حدثًا عابرًا أو مجرد تلاقٍ ظرفي. بل إنه أصبح يحمل دلالات سياسية ووطنية عميقة. ففي الوقت الذي يدافع فيه الشرق عن جوهر الجمهورية، يواصل الغرب أداء دوره المقاوم. وعليه، يتشكل اليوم وعي جمهوري جديد قائم على تكامل الأدوار لا على تشتت الجغرافيا.

وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب زيارة الشيخ بن معيلي، المتزامنة مع ذكرى ديسمبر، رمزية سياسية مضاعفة. إذ تُعيد التأكيد على أن الجمهورية ما تزال حيّة في الوجدان اليمني. يحدث هذا رغم كل محاولات الطمس والإقصاء.

ديسمبر… ذاكرة متجددة وروح لا تنطفئ

وبناءً عليه، تحمل هذه الزيارة رسالة واضحة. مفادها أن مشروع استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار يُرفع عند المناسبات، بل أصبح مسارًا عمليًا. يتقدم خطوة بخطوة عبر التنسيق والتكامل بين القوى الفاعلة في مختلف المحافظات.

وفي الوقت ذاته، تؤكد هذه الرسالة أن سنوات الحرب، ورغم قسوتها، لم تنجح في إنهاك الإرادة الجمهورية. بل على العكس تمامًا، أسهمت في بلورة رؤية أكثر نضجًا وواقعية. وهي رؤية لمواجهة مشروع الحوثي.

نحو تماسك جمهوري يتجاوز الجغرافيا

وفي ضوء ما تقدم، فإن ما يجمع مأرب بالمخا اليوم لا يقتصر على علاقة رمزية أو تقاطع مؤقت في المواقف. بل يتعدى ذلك إلى مسار سياسي طويل الأمد يتجه نحو بناء جبهة جمهورية أكثر تماسكًا وصلابة.

ومع تطور هذا المسار، يصبح الحديث عن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة أقرب إلى مشروع قابل للتنفيذ. هذا يجعل الحلم متاحًا بدلًا من أن يبقى حبيس الأمنيات والخطابات السياسية.

خلاصة

ختامًا، ومن باب التأكيد، فإن المشاهد القادمة من المخا تثبت أن ديسمبر ليس مجرد ذكرى سنوية تُستعاد، بل هو لحظة وعي وطني تتجدد كل عام. ورغم حجم التحديات، يثبت اليمنيون مرة أخرى أنهم قادرون، متى ما توفرت الإرادة، على ترميم مشروعهم الوطني كلما حاولت المشاريع الضيقة خطف دولتهم ومستقبلهم.

شاهد أيضاً

الوحدة اليمنية في قلوب أبناء الشعب اليمني شمالًا وجنوبًا

مأرب اليوم ــ كتابات وتحليلات ــ بقلم أبوعفاش الحويسك الوحدة اليمنية في قلوب أبناء الشعب …