يوثقون جهلهم بأيديهم.. مغول العصر يقتحمون أرض العلم والعلماء في تهامة ويزدرون أمهات الكتب ومذاهب الأمة

يوثقون جهلهم بأيديهم.. مغول العصر يقتحمون أرض العلم والعلماء في تهامة ويزدرون أمهات الكتب ومذاهب الأمة

مأرب اليوم | بقلم / أحمد حوذان

اليوم وأنا أتابع مشاهد توثق ممارسات مليشيا الحوثي ومحاولاتها إلغاء كل ما يخالف رؤيتها شاهدت مقطعًا يظهر فيه عنصر حوثي. وهو يصف علماء أجلاء بالضلال ويزدري كتبًا من تراث الأمة داخل إحدى المكتبات في أرض تهامة المعروفة بتاريخها العلمي.

ويظهر العنصر الحوثي بحسب المقطع المتداول من داخل مكتبة «جامع السنة» في مدينة الخوخة بمحافظة الحديدة. عقب دخول مليشيا الحوثي إليها وهو يتعامل بازدراء مع أمهات الكتب ومصنفات الفقه الإسلامي. بما فيها مؤلفات تنتمي إلى المذاهب الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي. إلى جانب كتب في علوم اللغة والتاريخ ويصف هذا الإرث العلمي والفكري بـ«الضلال».

المشهد لا يكشف فقط عن موقف شخص من كتاب أو مكتبة. بل يفتح سؤالًا أكبر حول نظرة المليشيا إلى المعرفة الدينية والتنوع الفقهي الذي تشكل عبر قرون طويلة من الاجتهاد والتأليف والتدريس.

فالكتب التي يجري التعامل معها بهذا الازدراء ليست مجرد أوراق متراكمة على رفوف مكتبة. وإنما خلاصة جهود علماء ومحدثين وفقهاء ولغويين ومؤرخين حفظوا للأمة جانبًا كبيرًا من تراثها العلمي. واختلفوا واجتهدوا وتناقشوا دون أن يعني اختلافهم إسقاط علم أحدهم أو إلغاء مدرسة فقهية كاملة.

ذاكرة بغداد وحرب الجهل على المعرفة.

أمام هذا المشهد تستحضر الذاكرة ما جرى عند سقوط بغداد على يد المغول سنة 656هـ الموافق 1258م. وما رافق تلك الكارثة التاريخية من تدمير واسع للمدينة وتضرر مكتباتها وضياع جانب من تراثها العلمي.

والمقارنة هنا ليست لإثبات تطابق تاريخي بين الحالتين. وإنما لاستحضار حقيقة تتكرر عبر التاريخ. وهي أن الاعتداء على المعرفة وإضعاف المؤسسات العلمية لا يتوقف أثره عند اللحظة الراهنة. بل يمتد إلى ذاكرة المجتمع وهويته ومستقبل أجياله.

تهامة أرض العلم والعلماء.

تهامة ليست أرضًا غريبة عن العلم والحديث والفقه واللغة. فقد عرفت عبر تاريخها علماء ومدارس ومجالس للعلم والحديث والفقه. وارتبطت مدنها وقراها بحركة علمية وثقافية تركت إرثًا لا يمكن اختزاله في رؤية جماعة أو فكر أحادي.

ولهذا فإن التعامل مع مكتباتها وتراثها العلمي بمنطق الازدراء لا يستهدف كتابًا بعينه. بل يمس جزءًا من الذاكرة العلمية والاجتماعية للمنطقة.

والأخطر من ذلك هو تحويل الاختلاف الفقهي والعلمي إلى تهمة بالضلال. فالمذاهب الإسلامية الأربعة بما راكمته من مؤلفات واجتهادات تمثل جزءًا أصيلًا من التاريخ الفقهي للمسلمين. كما أن كتب علماء كبار مثل ابن تيمية وابن كثير وغيرهما لا يمكن اختزالها في توصيف واحد أو إلغاؤها بشعار يطلقه شخص داخل مكتبة.

رد تهامي على خطاب الإلغاء.

وأرد هنا كتهامي على أصحاب هذا الخطاب فأقول لهم.

إن العلم لا يُبنى على إلغاء ما سبقه. ولا تُصنع المعرفة بإتلاف الكتب أو ازدرائها. وإنما بالحوار والبحث والنقد والتمييز بين الخطأ والصواب مع احترام تاريخ العلوم وتنوع المدارس التي أسهمت في بنائها.

ومن المفارقات أن جماعة الحوثي تقدم نفسها في خطابها باعتبارها حريصة على القرآن والدين. بينما يظهر في هذا المقطع موقف عدائي تجاه كتب في علوم ومعارف نشأت أساسًا لخدمة القرآن والسنة. وفهمهما ومنها التفسير والحديث واللغة وأصول الفقه والفقه والتاريخ.

فالقرآن لا يُفهم بالشعارات وحدها. ولا يمكن اختزال علوم الإسلام في ملازم جماعة أو خطابات مشرفين. وفهم النصوص يحتاج إلى علوم اللغة والتفسير والحديث والفقه وأصوله وغيرها من العلوم التي راكمتها أجيال متعاقبة من علماء الأمة.

الخطر يتجاوز الكتب.

إذا تحولت المكتبات ودور العلم في مناطق اليمن إلى ساحات للاستيلاء أو العبث أو فرض رؤية أحادية فإن الخطر الحقيقي لا يقع على الورق وحده. بل يمتد إلى حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها والاطلاع على تنوعها العلمي والفكري بعيدًا عن وصاية السلاح والفكر الواحد.

إن الاعتداء على الكتب والمكتبات والذاكرة العلمية لأي مجتمع هو في جوهره اعتداء على المعرفة نفسها. لأن الكتاب يبقى شاهدًا على ما أنتجته أجيال كاملة من علم وفكر واجتهاد.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا المشهد ليس فقط ماذا قال العنصر الحوثي داخل المكتبة. بل ماذا يكشف هذا الخطاب عن العلاقة التي تريدها المليشيا بين الإنسان والكتاب وبين المجتمع وتاريخه وبين الأجيال القادمة وتراثها.

حين يوصف كتاب بالضلال لمجرد أنه لا ينسجم مع رؤية جماعة مسلحة فإن المشكلة لا تعود في الكتاب. وإنما في الفكر الذي يريد إغلاق أبواب المعرفة وحصرها في رؤية واحدة وحرمان الأجيال من حقها في الاطلاع والبحث والنقد والاختيار.

تهامة ليست عدوًا للعلم.

مكتبات تهامة ليست مخازن للضلال. وتراث الأمة لا يمحى بمقطع مصور أو خطاب تحريضي.

فالكتب التي بقيت قرونًا شاهدة على علم أصحابها ستظل أقوى من خطابات الإقصاء والجهل. والتاريخ في النهاية لا يخلد من ازدرى المعرفة. بل يحفظ أسماء من خدم العلم وحفظ الكتب ونقل المعرفة إلى الأجيال.


اكتشاف المزيد من مارب اليوم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

الساحل الغربي في قلب المعركة.. لماذا لا تتحرك بقية الجبهات؟

الساحل الغربي في قلب المعركة.. لماذا لا تتحرك بقية الجبهات؟ مأرب اليوم | بقلم | …