سواحل اليمن.. بوابة العرب الآمنة نحو العالم.
مأرب اليوم | د. ذياب الدباء. المدير التنفيذي لمركز البحر الأحمر للدراسات. أستاذ العلوم السياسية بجامعة إقليم سبأ.
يجادل تيم مارشال في كتابه الشهير “سجناء الجغرافيا” قائلاً: “لطالما شكلتنا الأرض التي نعيش عليها فهي التي كونت الحروب والقوى السياسية والتنمية الاجتماعية”. وعند الحديث عن الشرق الأوسط أشار إلى أن الأوروبيين استخدموا الحبر لرسم خطوط جديدة على الخرائط. وهي خطوط لم تكن موجودة في الواقع وخلقت بعضاً من أكثر الحدود اضطراباً في العالم. وهذه الخطوط يجري حالياً إعادة رسمها بالدم العربي لا بالحبر الأوروبي.
ومن هذا المنطلق ورغم أهمية الموقع الجيوسياسي للمنطقة العربية وكونها ملتقى القارات الثلاث والقلب النابض لخطوط الملاحة الدولية. إلا أن حيويتها الاقتصادية وتواصلها البحري الحضاري والعسكري على مسطحات مائية يمكن تصنيفها من الناحية الاستراتيجية والعسكرية على أنها “بحيرات شبه مغلقة”.
فالبحر الأحمر والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط على الرغم من اتساع حياضها وشهرة أسمائها في كتب وأحداث التاريخ. إلا أنها تتشارك ميزة جيوعسكرية خطيرة. فجميعها ممرات مائية مقيدة بمضائق واختناقات طبيعية واصطناعية.
فالخليج العربي يرتهن بعنق مضيق هرمز. والبحر الأحمر يرزح بين فكي باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً. بينما تسيطر مضائق جبل طارق والبوسفور والدردنيل على حوض المتوسط. ومن منظور الجغرافيا السياسية فإن الوحدات السياسية على ضفاف هذه البحيرات تعتبر “دولاً شبه حبيسة”.
وفي زمن السلم وتدفق التجارة العادية تبدو هذه المضائق مجرد محطات رسوم ونقاط عبور روتينية. وتتحول البحيرات شبه المغلقة إلى ساحات ازدهار وتنمية. ولكن في لحظات الاضطراب الجيوسياسي ونشوب الحروب الإقليمية أو الدولية أو ظهور وسيطرة الميليشيات غير المنضبطة والفاعلين من غير الدول. تتحول هذه البحيرات والممرات والمضائق إلى مصائد جغرافية ومهددات جدية للاستقرار السياسي والاقتصادي.
وعند هذه النقطة تنكشف هشاشة الاعتماد الاستراتيجي الكلي على البحيرات شبه المغلقة. وكيف يشكل الخنق الجغرافي السلاح الأشد خطورة في الحروب الحديثة. لأن إغلاق مضيق واحد أو تهديد حركة الملاحة فيه بدرجة عالية من المخاطرة كفيل بتحويل دول ذات ثقل اقتصادي ونفطي هائل إلى دول حبيسة خلال ساعات معدودة.
فعندما تُغلق هذه المضائق تقع شبه الجزيرة العربية في حالة من الحبس الجغرافي. فالدول التي تملك آلاف الكيلومترات من الشواطئ على الخليج والبحر الأحمر تتساوى فجأة مع الدول المحاطة باليابسة من كل الجهات. نظراً لعدم قدرة موانئها على الوصول إلى الملاحة الدولية الحرة المتصلة بالمياه المفتوحة.
وسط هذا المشهد المقيد بالمضائق والاختناقات تبرز السواحل اليمنية على بحر العرب كاستثناء جغرافي وفريد من نوعه في شبه الجزيرة العربية. ليس فقط كشريط ساحلي طويل يمتد لأكثر من 1000 كيلومتر. بل باعتبارها المخرج الجيواستراتيجي الأخير والوحيد ورئة التنفس الحقيقية للأمن القومي العربي. وخصوصاً لعمقها الحيوي المتمثل في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.
تتميز السواحل اليمنية الجنوبية بأنها تطل مباشرة على بحر العرب والذي هو جزء لا يتجزأ من المحيط الهندي. هذا يعني أن السفن والناقلات التي تبحر من أو إلى الموانئ المقامة على هذا الساحل لا تحتاج إلى المرور بأي مضيق بحري للوصول إلى وجهتها الدولية. ولا تخضع لسيطرة أي نيران ساحلية لأطراف معادية. وتستطيع الإبحار بشكل حر ومستقل من الرصيف البحري للميناء إلى أطراف الأرض دون اختناق جغرافي أو تهديد عدواني.
وكون الخليج العربي الشريان الأهم للطاقة العالمية حيث تعبره يومياً عشرات الملايين من براميل النفط الخام والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز أو باب المندب. في مقابل ذلك يتمتع اليمن بموقع جيواستراتيجي فريد من خلال إطلالة واسعة على البحار المفتوحة.
ويمكن أن يشكل ذلك فرصة للتكامل الاقتصادي والأمني مع الجوار الخليجي من خلال السماح بتصدير النفط والغاز الخليجي عبر الموانئ الشرقية اليمنية وفتح مسار نقل بري نشط مع العمق الجغرافي للجزيرة العربية. وعلى إثر ذلك سيجني اليمن فوائد اقتصادية كبيرة تساهم في دعم برامج التنمية المحلية وصولاً لانضمام اليمن إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
إن فهم القيمة الاستراتيجية للساحل الجنوبي لليمن يكتمل عند ربطه بالهندسة الاقتصادية لمستقبل الطاقة والواردات في شبه الجزيرة العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. كملاذ آمن لتصدير النفط وتأمين خطوط الإمداد خصوصاً للسعودية والخليج. ويحرر الأمن القومي العربي من فك الارتهان لمضيق هرمز والتهديدات الإقليمية وآثار الحروب والصراعات.
إن وجود خط سكة حديد يربط موانئ المهرة وحضرموت بالمدن الخليجية بموازاة خطوط أنابيب النفط والغاز يمثل منفذاً حيوياً هاماً لتأمين الإمدادات والمؤن الحيوية إلى البر الخليجي.
كما سيضمن استمرار تدفق النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية في آسيا وأوروبا وأمريكا حتى لو أُغلق مضيق هرمز لفترة طويلة أو تعرض للتدمير. بالإضافة إلى تقليل تكاليف التأمين ضد أخطار الحرب وتقليل الفترة الزمنية للمسارات البحرية داخل الخليج العربي والبحر الأحمر. إذ إنه سيوفر أياماً بحرية ملحوظة للناقلات خصوصاً المتجهة نحو المحيط الهندي والشرق الأقصى.
اكتشاف المزيد من مارب اليوم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مارب اليوم مارب اليوم منصة إخبارية رائدة تنقل الحقيقة بمهنية وتقدم تغطية دقيقة وموثوقة للأحداث من مأرب واليمن إلى العالم