سد مأرب والأمن المائي النضوب أو النهوض.
مأرب اليوم | المهندس/ حسين بن سعد العبيدي.
تواجه مأرب أزمة مائية غير مسبوقة. حيث تعتمد الموارد المائية في المحافظة بشكل رئيسي على مياه السيول والأمطار. التي تغذي المخزون المائي للمياه السطحية والجوفية بنسبة تتجاوز 90 بالمائة. ومع ذلك تعاني المحافظة حالياً من شحة مائية غير مسبوقة في تاريخها وانخفاض في المخزون المائي إلى مستويات قياسية وكارثية.
كان ذلك انعكاساً لقرار غير مشروع وعمل غير أخلاقي تمثل في إغلاق سد مأرب العظيم وقنوات الري. التي صممت لري ما يقارب 137 كيلومتراً بمنطقة الأشراف ووادي عبيدة. كما استمر الإصرار على إغلاق وقفل بوابة السد طوال السنوات العشر الأخيرة.
وساهم ذلك في خلق وضع كارثي أثر سلباً على المخزون المائي وقطع شريان الحياة الربانية من المياه والتحكم في مجرى تلك الهدية الربانية. وتحول سد مأرب التاريخي إلى أداة للصراع بدلاً من كونه منشأة مائية. وأُخرج عن وظيفته الحيوية التي أنشئ من أجلها لخدمة الإنسان والزراعة. ونتيجة لهذا الإغلاق المستمر للسد تعاني مناطق أسفل وادي عبيدة والوسط. من ندرة المياه وشبه جفاف ينذر بكوارث بيئية ومائية تهدد السكان ومستقبل الزراعة.
إن قرار إغلاق سد مأرب منذ عام 2020 رغم قدوم سيول كبيرة إلى بحيرة السد مثّل نقطة تحول بنيوية في محافظة مأرب. ولم تقتصر آثاره على تشغيل منشأة مائية أو إدارة مورد تقني. بل أعادت تشكيل منظومة المياه والزراعة والسكان والاستقرار المجتمعي برمتها. فقد تحول إغلاق قنوات السد من إجراء احترازي مؤقت إلى نمط إدارة طويل الأمد. ترتبت عليه سلسلة مترابطة من التداعيات الهيدرولوجية والاقتصادية والسكانية والثقافية. ما يجعل قضية سد مأرب اليوم إحدى أبرز قضايا السياسات العامة في السياق اليمني المعاصر.
التداعيات على المياه والزراعة والمجتمع.
كشفت الأرقام والنتائج التي توصل إليها مركز مداري للدراسات والأبحاث بمأرب عبر خبرائه المتخصصين. أن إغلاق السد وقنوات الري المستمر وتبخر مياهه أدى إلى توقف شبه كامل للتغذية الاصطناعية للحوض الجوفي. وانتقال النظام المائي من حالة شبه توازن إلى حالة استنزاف صافٍ مستمر.
ونتج عن ذلك تشكل أحواض هبوط جوفي حادة في مدينة مأرب ووادي عبيدة. التي تتشكل في محيطها مخيمات النزوح إلى جانب إعادة توجيه قسرية للتدفقات الجوفية من المناطق الزراعية التقليدية نحو مراكز الضخ الحضري المكثف. فيما يعرف بظاهرة التصريف المستحث.
وتؤكد هذه النتائج أن التدهور الجوفي في مأرب لم يكن حتمياً بسبب عوامل طبيعية أو مناخية. بل كان نتاجاً مباشراً لاختلال نمط إدارة المورد بعد إغلاق السد والقنوات خلال السنوات العشر الأخيرة.
الزراعة بين الانهيار وفقدان الجدوى
أما على المستوى الزراعي فقد أظهرت النتائج أن الزراعة المروية كانت أول القطاعات وأكثرها تضرراً من الإغلاق. نظراً لاعتمادها البنيوي على الري السطحي المنتظم.
وأدى التحول القسري نحو الضخ الجوفي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الري وتعميق الآبار. ما أفقد الزراعة جدواها الاقتصادية لشرائح واسعة من صغار ومتوسطي المزارعين. وتراجع إنتاج المحاصيل وجودتها وتآكل رأس المال الريفي وتحولت الزراعة من نشاط استقراري منخفض المخاطر. إلى نشاط عالي المخاطر محفوف بعدم اليقين المائي والمالي.
ونتيجة لذلك تفككت منظومة سبل العيش الريفية التي كانت تشكل قاعدة الاستقرار الاجتماعي في مأرب. كما أسهمت هذه التحولات في تسريع الانتقال من نمط استيطان ريفي متوازن نسبياً إلى نمط تركز حضري غير منظم حول مدينة مأرب. وبرز نمط النزوح الريفي الصامت للسكان الأصليين بصورة تدريجية وغير مرصودة إنسانياً ليس نتيجة حدث نزاعي مباشر. بل بسبب فقدان شروط الاستمرار الزراعي.
وفي الوقت نفسه أظهرت النتائج أن النازحين رغم استفادتهم المرحلية من تركز الضخ الجوفي في الحيز الحضري باتوا جزءاً من نظام مائي شديد الهشاشة قائم على الاستنزاف. مما يجعلهم عرضة لأزمة مائية مستقبلية. كما تبين أن التوتر بين المجتمع المضيف والنازحين لم ينشأ عن النزوح بحد ذاته بل عن اختلال إدارة الموارد وتقاسمها.
وعلى المستوى الثقافي والسياسي فقد سد مأرب دوره الرمزي التاريخي نتيجة للسياسات الخاطئة وسوء الإدارة. بوصفه أداة تنمية جامعة وضامناً للعدالة المائية والاستقرار الزراعي. وتحول في الوعي الجمعي إلى رمز للاختلال والحرمان. وأصبحت إدارة المياه ساحة مركزية لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة. حيث فاقم تسييس المورد المائي ضعف الثقة وأضعف فرص التعبئة الإيجابية حول مشاريع تنموية مشتركة. وبناء على ذلك اتضح أن الأزمة المائية في مأرب. ليست تقنية فقط بل هي أزمة إدارة وشرعية وثقة.
النضوب أو النهوض… خيارات الإنقاذ.
تظهر البيانات المكانية والهيدرولوجية المستقلة المستخلصة من تحليل سد مأرب والحوض الجوفي المرتبط به. أن محافظة مأرب وخصوصاً المناطق القريبة من السد ووادي عبيدة دخلت مرحلة استنزاف مائي بنيوي تهدد استدامتها الزراعية والاجتماعية والأمنية. نتيجة استمرار إغلاق قنوات سد مأرب منذ عام 2020. وتزامن ذلك مع ضغط ديمغرافي غير مسبوق ناجم عن النزوح.
وتشير المؤشرات الفنية إلى أن الحوض الجوفي يعمل حالياً في وضعية استنزاف صافٍ بمعدل سنوي يقدر بنحو 40 إلى 60 مليون متر مكعب. مع هبوط تراكمي في منسوب المياه وصل إلى 30 إلى 50 متراً خلال عقد واحد. وتشكّل أحواض هبوط جوفي عميقة أسفل منطقة مأرب. كما نؤكد أن فتح بوابة السد وحده دون إصلاحات مؤسسية وهيدرولوجية مرافقة لن يكون كافياً. وأن نافذة التدخل المتاحة لتفادي الانهيار الكامل لا تتجاوز 12 إلى 18 شهراً.
إن محافظة مأرب تواجه مرحلة مفصلية وخطرة في ملف المياه والزراعة. وإن استمرار إغلاق قنوات السد دون إصلاحات مرافقة قد يقود لا قدر الله إلى انهيار بنيوي يصعب احتواؤه. بما ينعكس على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وأمن الدولة ذاته. وإذ نضع هذا النداء ودق ناقوس الخطر بين أيديكم. فإننا نؤكد أن المقصود منه الدعم الموضوعي للقرار الوطني وتقديم خيارات عملية قابلة للتنفيذ بعيداً عن أي توظيف سياسي أو إعلامي.
إن أزمة المياه في مأرب ليست مجرد مشكلة موارد بل هي قضية وجودية تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة. وإن الاستمرار في النهج الحالي يعني السير نحو الجفاف الحتمي وتداعياته الكارثية. بينما يمثل التحول إلى الإدارة المستدامة للمياه فرصة حقيقية للإنقاذ وتحقيق التنمية المستدامة.
مأرب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما. إما النضوب أو النهوض.
لذا يوصى بضرورة ربط كل دعم زراعي أو تمويلي بتبني تقنيات الري الحديثة والالتزام بالخارطة المحصولية المستدامة. فالمياه لم تعد مورداً متجدداً. كما كان يعتقد بل أصبحت رأس مال حيوياً يجب إدارته بحكمة وعلم لضمان مستقبل الأجيال القادمة.
واستناداً إلى بيانات مركز مداري الفنية والخرائط التحليلية فإن محافظة مأرب تواجه أزمة مائية بنيوية تجاوزت إطار الطوارئ البيئية. لتتداخل بصورة مباشرة مع الاستقرار الاجتماعي وسبل العيش والنزوح الداخلي. وهي عوامل أثبتت التجربة اليمنية ارتباطها الوثيق بديناميات الصراع والسلام.
كما تشير نتائج التحليل إلى أن الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية وتحول استخدام المياه من الإنتاج الزراعي إلى الاستهلاك الحضري والإغاثي. ينذر بتفاقم أشكال الهشاشة المحلية وتصاعد النزاعات المجتمعية على الموارد وتعميق التوترات في واحدة من أكثر المحافظات حساسية في المشهد اليمني.
رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.
9 يونيو 2026.
اكتشاف المزيد من مارب اليوم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مارب اليوم مارب اليوم منصة إخبارية رائدة تنقل الحقيقة بمهنية وتقدم تغطية دقيقة وموثوقة للأحداث من مأرب واليمن إلى العالم